lundi 30 mai 2016

الأديب سمير عطية: القضية الفلسطينية تعيش مرحلة الإقصاء الثقافي

La cause palestinienne vit l’exclusion culturelle



اسطنبول - المركز الفلسطيني للإعلام

يجوب بشعره الأقطار، محاولا رسم ثقافة العودة والتمسك بالهوية والتراث تارة، ومعبرا عن الأرض والإنسان تارة أخرى، ليكون واحداً من المدافعين عن ثقافة وفكر لقضية تقاوم اندثار معالمها في وقت تبذل جهود كبيرة لإبقائها في إطار الصراع السياسي وتفريغها من باقي ركائزها.

سمير عطية، الشاعر والأديب الفلسطيني، مدير عام بيت فلسطين للشعر وثقافة العودة، في لقائه الخاص بـ"المركز الفلسطيني للإعلام"، يرى أن القضية الفلسطينية تعيش اليوم مرحلة الإقصاء الثقافي والمكون التراثي والهوية الحضارية نتيجة ما وصل له الاحتلال من استهداف لها.

ويرى عطية، الحالم بالعودة كملايين الفلسطينيين إلى أرض الآباء والأجداد، أن المشهد السياسي يأتي على حساب المشهد الثقافي والفكري، حيث تشهد مناهج التعليم والمؤسسات الثقافية على الصعيد الرسمي حالة إفراغ من الانتماء الطبيعي، فيما تتراجع الثقافة في أولوياتها بشكل غير مقبول لدى الفصائل والأحزاب التي تقدّمت في ميادين السياسة والمقاومة والبناء المجتمعي والأداء الإعلامي والتحشيد الجماهيري، الأمر الذي أثّر سلباً في قراءة الأولويات وانعكاس أثرها على الأرض.

ويعدّ عطية أنّ الفنان والشاعر والكاتب لديه خبرة تراكمية في مسيرة المقاومة الفلسطينية، وله تأثير كبير سواء بحالته الفرديّة أو من خلال المؤسسات، وهي مؤهّلة لتكون أكثر قوة وتأثيرا لو امتلكت الأدوات اللازمة لذلك.

وفيما يلي نص الحوار:

• ما هي ملامح المواجهة الثقافية الفكرية مع الاحتلال؟ 
تجاوزت المواجهة مرحلة "الملامح" منذ أمد بعيد؛ نحنُ نعيش اليومَ واقع الإقصاء الثقافي والمكوّن التراثي والرَّمز الدّيني والهوية الحضارية الجَمعيّة للشعب الفلسطيني، أمّا في البعد الفكري فمن أخطر ما يمكن أنْ نتوقف عنده هو مشروع أوسلو الذي عملت دول وأنظمة لتحويل المشروع الاستعماري والاحتلالي إلى كيان يقبل به الفلسطيني ويعترف له بمعظم الوطن بكل ما في هذا خطر عظيم نعيش واقعه اليوم.

استهداف المكوّن الحضاري

• الاحتلال يسعى إلى تذويب الهوية الفلسطينية من خلال الاستهداف لعدد من المكونات الرئيسة لها، بماذا تتجلى هذه الممارسات؟
من الأهميّة بمكان أن نعلم أنّ الهويّة الفلسطينية بجذورها العربيّة والإسلامية، ومكوناتها الحضارية في اللغة والتّاريخ والثقافة والامتلاك الزماني والمكاني لفلسطين، تتعرّض لاستهدافات منهجيّة ومستمرة تبرز في تزييف التاريخ الفلسطيني، وتشويه رموزه، والعمل على بناء عقلية تعمل لحماية مشروع الاحتلال وغرز أظافرها في الجسد الفلسطيني. التراث والآداب والفنون والمساجد وفي مقدمتها المسجد الأقصى المبارك، كل هذه المكوّنات للهوية الفلسطينية تواجه حروباً وليس استهدافاً، تسعى إلى إبادة في الوعي المعرفي والتمسك بالجذر الحضاري للشعب.

الهويّة الفلسطينية بجذورها العربيّة والإسلامية ، ومكوناتها الحضارية في اللغة والتّاريخ والثقافة والامتلاك الزماني والمكاني لفلسطين، تتعرّض لاستهدافات منهجيّة ومستمرة 


• كيف يمكن لشعب محتل أن يعزز من هويته الثقافية في ظل ممارسات الاحتلال؟
الهوية الثقافية الواحدة تتجاذبها معطيات مختلفة، وبيئات سياسية واجتماعية واقتصادية متباينة، ويمكن أن نلخصها في خمسة مسارات: قطاع غزة، الضفة الغربية، مدينة القدس، فلسطين المحتلة عام 1948م وأماكن اللجوء الفلسطيني التي تتعاظم فيها التباينات.

إذا أضفنا إلى كل ما سبق، التراجع في أولوية الثقافة على صعيد المشروع الوطني الفلسطيني بمساريه المقاوم والتفاوضي، فيجب علينا أن نوقن أنّ الواقع الثقافي لهذه الهوية يواجه تحدّيات كبيرة، وبعضها جديد كفلسطينيي سورية في الشتات الجديد، وأهمها في تحديات اللغة والانتماء.

• يلاحظ أنّ هناك اهتمامًا على الصعيد السياسي فيما يخص القضية الفلسطينية، ونسيان أن القضية ليست بُعدًا سياسيًّا، وإنما هناك البعد الثقافي والهوية والتاريخ.. ما هي الوسائل والأدوات التي يمكن من خلالها توعية الجماهير في هذه النقطة؟
في المشهد السياسي يأخذ الأمر مسارين اثنين؛ الأوّل ما يتعلّق بالسلطة الفلسطينية، وهي استجابت في مناهج التعليم والمؤسسات الثقافية لإفراغ هذه المناهج والمؤسسات من الانتماء الطبيعي للشعوب في خيار المقاومة والصمود والبناء الإيجابي في كافة الصُّعد. هذه الإجراءات المنهجية التي رضخت فيها السلطة لإملاءات المحتل حتّى في ما قبل توقيع أوسلو، من أجل صناعة "مناخ" ثقافي اجتماعي يقبل الانعطافة التاريخية في الواقع الذي يُراد أنْ تقوم به السلطة وتقوم في هذا المسار الخطير.

صحيح أنّنا نشاهد وزارات ومؤسسات رسميّة في هذه التخصصات، ولكنها لا تخرج عن "الهامش" الذي حُدد لها ويُصوّب باستمرار في القصيدة والأغنية والتراث والتاريخ وبقية المكونات.

لكنّ هذا لا يُعفي المشهد السياسي الفلسطيني بفصائله المختلفة، العلمانية والإسلامية واليسارية، والمُدانة جميعاً بتراجع الثقافة في أولوياتها بشكل غير مقبول، وهي التي تقدّمت في ميادين السياسة والمقاومة والبناء المجتمعي والأداء الإعلامي والتحشيد الجماهيري، الأمر الذي أثّر سلباً في قراءة الأولويات وانعكاس أثرها على الأرض.

• أين دور المثقفين وقدرتهم على التأثير؟
سؤالك مُخيف بحد ذاته ! حينَ تسألني عن هذا الدّور وكأنَّك لا تراه أو لا تشاهد له أثراً، حين ننتقل في أسئلتنا إلى هذا المُربَّع فهذا يؤكد بحد ذاته ما ذهبتُ إليه في الإجابات السّابقة حول المشهد الثقافي الفلسطيني، والدّور والـتأثير.

هذا لا يُعفي المشهد السياسي الفلسطيني بفصائله المختلفة، العلمانية والإسلامية واليسارية، والمُدانة جميعاً بتراجع الثقافة في أولوياتها بشكل غير مقبول 


حين يكون عمرُ القضية مائة عام وفيها محطّات ثقافية ورموز وقامات في الشعر والرّواية والفن، وتنوعت مصائرها بين الشهادة والاعتقال والإبعاد، في تفاصيل كثيرة لها عطاؤها فهذا يؤكد أننا في مشهد متراجع ثقافيًّا كمحصّلة عامة.

إنّ قراءة للتحديات التي نواجهها في المؤسسات الثقافية، والاستنزاف في الجهد والوقت لمحاولة تجاوز عقبات مميتة لم يتجاوزها كثيرون، يُثبت لك مجدداً كم نحن بحاجة إلى مراجعات مهمة.

لا أقف هنا عند الدّور وأثره، فهما معروفان من تجربتنا الثقافية الفلسطينية الطّويلة، ولكنني أقرأ معك واقعنا وقدرته على التأثير في سؤالك، نحنُ يا سيدي أمام مجزرة بحق الثقافة الفلسطينية، يصنعها الاحتلال وساستنا على حدٍّ سواء!

أدب المقاومة


• برزت مؤخرًا مصطلحات أدب المقاومة، وحالات التوثيق التي يقوم بها مقاومون من خلال مسلسلات أو أفلام.. ما أهمية هذه الأعمال؟ وكيف يمكن تعزيز دورها؟
هذا المصطلح المهم أصبح مدرسةً نقديّة في فلسطين والوطن العربي، بما قدّمه الأدباء على مدى العقود الماضية، واستمر هذا الأدب في فلسطين كونها لا زالت تُناضل وتُقاوم لكي تحصل على حريتها كاملةً.

يعود هذا الأدب إلى الواجهة كُلما عاد المد المقاوم في فلسطين إلى الواجهة، من خلال انتفاضة أو صمود وتضحيات، وهو صاحب تأثير كبير في الوعي الجمعي للشعب والأمة وللإنسانية، في عرض القضية وكيفية عرضها على العالم من خلال هذه الرّافعة النَّوعية.

إنّ تعزيز هذا الدّور يأتي بدعم المؤسسات التي تتبناه بلا شك، لكنّ هذا يجب أن يُسبق بوضع الثقافة في مكانها الصحيح والفاعل في الخارطة النضالية، حينها نستطيع أن نتحدث أكثر عن الوسائل المتعددة، أمّا دون إعادة اعتبار للثقافة ودورها على سلّم الأولويات فستبقى وسائل محدودة الأثر زمنيًّا ومكانيًّا وتعبويًّا. 

• أين يقف المثقفون والأدباء الفلسطينيون اليوم من القضية الفلسطينية؟ وما هو دورهم في انتفاضة القدس الحالية؟
يكفي أن أذكرَ مثالاً واحداً في هذا؛ حينَ خرجت مظاهرة ليلية في شوارع القدس تهتف بأغنية الفنان كفاح زريقي: أنا ابن القدس ومن هون، مش متزحزح قاعد فيها.

إنّ الفنان والشاعر والكاتب لديه خبرة تراكمية في المسيرة الفلسطينية في المقاومة، وهناك أمثلة فرديّة ومؤسسية في أكثر من جغرافيا داخل الوطن وخارجه، وهي مؤهّلة لتكون أكثر قوة وتأثيرا لو امتلكت الأدوات اللازمة لذلك.

الفنان والشاعر والكاتب لديه خبرة تراكمية في المسيرة الفلسطينية في المقاومة، وهناك أمثلة فرديّة ومؤسسية في أكثر من جغرافيا داخل الوطن وخارجه، وهي مؤهّلة لتكون أكثر قوة وتأثيرا لو امتلكت الأدوات اللازمة لذلك. 


إنَّ من أهم الأدوار هي التأكيد على الانحياز للخيار الطبيعي في المقاومة، والدّفاع عن مكوّنات الهوية الحضارية وفي مقدمتها مدينة القدس ودرّة تاجها المسجد الأقصى المُبارك.

لقدْ أقمنا رواقنا الثقافي الثاني في اسطنبول قبل انتفاضة القدس، لكنّنا أبصرنا إرهاصاتها الحتميّة، فأطلقنا سؤالنا المدوّي: كيفَ ننصرُ القدس ثقافيًّا، حيث وضع نُخبة من الأدباء والنُّقاد والمثقفين رؤاهم في هذا.

• أين أخفق الفلسطينيون في المعركة الثقافية مع الاحتلال؟
الإخفاق توصيف لا يعني النّهاية، ولكنّه في المقابل لا يعني النّجاح، أخفقوا عندما وافقت شريحة مؤثرة على الخيار السلمي بكل ما فيه من كوارث، وأخفقوا حين أصرّوا عليه، وأخفقوا حينَ ظنّوا أنّ الثقافة لوطن تحت الاحتلال تتشكّل في وزارة، وأخفقوا حينَ اقتربوا من الساسة أكثر وابتعدوا عن تفعيل المشهد الثقافي، الإخفاقات موجودة ولكنّ الأمل بتجاوزها موجود أيضاً. 

• ما هي مُدعمات الهوية والثقافة الفلسطينية؟
قد تستغرب حين أقول لك إنَّ طفلاً يقفُ ليلقي قصيدة في مدرسة من مُدعّمات الهوية والثقافة، في قضية فلسطين تحديداً نستمد مدعّمات حقيقية في الشكل والمضمون في هويتنا من تاريخنا العربي والإسلامي، وحضوره وقدرته على الاستمرار، والأهم في محطّات الوقوف والصمود أمام الهجمات من شرق العالم وغربه، والقدرة فيها على النهوض من هزائم وتحويلها إلى انتصارات على الأرض وفي القيم والمبادئ والرسالة التي تحملها للناس.

ثقافتنا الأدبية والفنيّة والمعرفيّة تجدها في نوافذنا الملونة، في بناء قبة الصخرة، في قصائد المتجذرين في هذا الوطن، وألوان محابره ولوحاته.

إنّ مدعّمات الثقافة حين تتحول من كلمات إلى فعل، فكن على يقين أنّها من دلائل البقاء والانتصار القادم .

عطية في سطور

ضيفنا الأديب والشاعر سمير عطية من قرية سيلة الظهر في الضفة الغربية، ولد في دولة الكويت في نيسان /إبريل عام 1972م، حيث كانت تقيم عائلته وحصل فيها على شهادة الثانوية العامة.

حصل على الدرجة الجامعية الأولى في اللغة العربية من كلية الآداب/جامعة صنعاء في الجمهورية اليمنية، والتحق برابطة الأدب الإسلامي العالمية وأصبح عضوًا فيها، وكذلك عضوية العديد من الهيئات الأدبية والشعرية من بينها؛ جمعية شعراء بلا حدود، واتحاد الكتاب والصَّحفيين الفلسطينيين.

ألف العديد من الدواوين الشعرية والكتب الأدبية من بينها؛ ديوان شعري بعنوان (نزيف الذكريات) وديوان العودة (مائة قصيدة مختارة من الشعر العربي )، وديوان "هزي إليك بجذع القصيدة – تراتيل على قميص يوسف". كما أصدر كتيبًا نثريًّا بعنوان "كنتُ يومها في القدس".

نالت قصائده العديد من الجوائز الأدبية، وتم تلحين عددٍ منها، وأذيعت في أكثر من إذاعة وفضائية.

كاتب متخصص في أدب العودة منذ عام 2003م، وله عشرات المقالات والدراسات والقصائد المنشورة في الصحف والمجلات الفلسطينية والعربية، والمواقع الثقافية الإلكترونية، كما شارك في تأسيس العديد من المؤسسات والمنتديات الثقافية، وعمل في عدد منها.

تقلد منصب نائب مدير مؤسسة فلسطين للثقافة خلال الفترة 2005-2006، وعمل مديراً تنفيذياً لمؤسسة العودة للثقافة والتراث في العام 2008، وهو مؤسس ومدير بيت فلسطين للشعر منذ العام 2009 وحتى الآن.


Aucun commentaire: