
لندن – – يتضمن كتابان جديدان لمؤرخين اسرائيليين من ابرز المؤرخين "الجدد" الاسرائيليين رأيين مختلفين بشأن الحل الذي من شأنه ان ينهي الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي. اذ بينما يفضل البروفيسور آفي شليم حل الدولتين في كتابه Palestine and Israel، يسعى بيني موريس كتابه One State, Two States الى هدم الحجج المنادية بدولة واحدة لكنه يرى ان ثمة عقبة كأداء امام حل على اساس دولتين تتمثل في ما يسميه النية العميقة الجذور لدى جميع الفلسطينيين لاسترداد كامل الاراضي الواقعة ما بين نهلر الاردن والبحر الابيض المتوسط. وكتب مراسل صحيفة "ذي اندبندنت" البريطانية دونالد ماكنتير العرض الآتي للكتابين:
"آفي شليم وبيني موريس كلاهما من "المؤرخين الجدد" الطليعيين في اسرائيل الذين تحدوا بعض اكثر الاساطير شيوعاً عن تأسيس الدولة. وكتاب شليم "الجدار الحديدي"- الذي يجب ان يقرأه كل شخص يريد تاريخاً وجيزاً لعلاقات اسرائيل مع العرب منذ 1947 – اظهر بين ما اظهر كيف سعت اسرائيل دوماً الى ضرورة التفاوض من مركز قوة عسكرية، كما يبين الفرص الدبلوماسية التي فوتتها بسبب ذلك. أما موريس فقد صار من خلال كتابه "ولادة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين" اول مؤرخ اسرائيلي يقود، حسب كلمات شليم نفسه في هذا الكتاب، "عربة وخيولاً شق بها طريقاً بدد الادعاء القائل بأن الفلسطينيين غادروا (ديارهم) طواعيةً او بناء على اوامر من قادتهم".
ولكن التشابه ينتهي عند ذلك الحد. فباستثناء ناحية واحدة يقر بها، بقي شليم ثابتاً على مواقفه بشكل ملفت على مدى سنوات طويلة. واشد الفصول غضباً في مجموعة المقالات المتنوعة والشيقة جداً (بما في ذلك نقد نشيط لموريس) يتعلق بالهجوم الشتوي الذي استمر 22 يوماً على غزة، والذي يختتمه بالقول ان "من الصعب مقاومة استنتاج مفاده ان (اسرائيل) صارت دولةً مارقة".
والامر الذي يجعل حجةً من هذا النوع غير مريحة لمن يعارضونها هو ان شليم "خدم بوفاء في الجيش الاسلرائيلي في الستينات" وانه "لم يشكك قط في وجود اسرائيل ضمن حدودها السابقة لـ (حرب) 1967" وايد "دائماً" حلاً اساسه دولتان. اما التغيير الوحيد في مواقفه فكان قراره بانه كان على خطأ وان صديقه القديم الراحل ادوارد سعيد كان مصيباً بشأن "طبيعة ومحدودية اتفاقات اوسلو" بنقلها المسؤولية من دون سلطة الى الفلسطينيين، وحذفها القاتل لاي اشارة الى "تقرير المصير...او (وضع) نهاية للمستوطنات اليهودية". وبالرغم من ان شليم غير رأيه في ما يتعلق باوسلو، فانه لم يتخل عن تفضيله لحل الدولتين او عن رأيه القائل بان اسحق رابين كان رئيس الوزراء الذي "امتلك الشجاعة والصدق والتصميم" للتقدم نحو حل الصراع مع الفلسطينيين. اما بيني موريس فقد قام برحلة سياسية مضادة مع انه كان، مثل شليم، "متفائلاً بحذر" بخصوص اوسلو. وكانت رحلته، بشكل متباين، اكثر درامية، كما يظهر هذا الكتاب القصير الحالك المتشائم.
وبينما يقول شليم (وكثيرون آخرون) ان مشروع اسرائيل الاستيطاني في الضفة الغربية هو عقبة كبرى على طريق السلام، فان موريس يشرح بخفة ان الحملة التوسعية التي قادها حزب "ليكود" في ما بعد 1977 "كانت قصيرة الامد" (رغم انها ضاعفت عدد سكان المستوطنات بين 1955 و2007). ويخصص موريس جزءاً كبيراً من كتابه لهدم "حلول على اساس دولة واحدة" للصراع. ولكن بالنسبة الى موريس، هناك عقبة كأداء امام حل تقليدي على اساس دولتين: انها ما يعتبره النية العميقة الجذور لدى الفلسطينيين، سواء كانوا "معتدلين" او علمانيين او اسلاميين، وسواء كانوا مواطنين عاديين او قياديين، للقضاء على اسرائيل واستعادة كامل الارض الواقعة بين نهر الاردن والبحر الابيض المتوسط.
وليس هذا هو ما توصلت اليه الاستطلاعات. غير ان موريس لا يثق حتى في اكثر استطلاعات الرأي الفلسطينية مصداقية. وحتى قوله ان السبب "الرئيس" وراء فوز "حماس" في انتخابات العام 2006 يرجع الى "تنامي التدين لدى الجماهير الفلسطينية و"اعتقادهم" بان "حماس" سوف تقودهم الى النصر النهائي ضد الكافرين"، قول لا تدعمه الادلة العادية المتوفرة لكل من تابع انباء تلك الانتخابات في غزة، ناهيك عن الضفة الغربية.
ولا بد لنا ان ندرك أن موريس يضع امام عينيه مهمة محددة. ففي مقابلة اجراها معه الصحافي آري شافيت لصحيفة "هآرتس" الاسرائيلية العام 2004 قارن بين "المؤرخ موريس" النزيه وبين "المواطن موريس" القومي النزعة المتمسك برأيه. ولا شك في ان المواطن هو المسيطر على هذا الكتاب، لدرجة يبدو معها احيانا وقد اخل بالجانب العلمي من ذاته.
وعلى سبيل المثال، فان موريس اورد اكتشافا جوهريا: وهو الرد الخطي للمفاوضين الاسرائيليين على "المتغيرات" التفاوضية التي اجراها الرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون في كانون الاول (ديسمبر) العام 2000. ومع ذلك فان "نقاط التوضيح" في الرسالة بشأن اللاجئين والقدس الشرقية ايضا، تدعم في الحقيقة تأكيد شليم ان "التحفظات الاسرائيلية كانت جوهرية اكثر من الفلسطينية"، بدلا من قبول موريس من دون تمحيص بان الفلسطينيين قالوا "لا" لكلينتون وقال الاسرائيليون "نعم".
ويركز موريس بصورة مكثفة في موقع آخر على الفروقات "الثقافية" بين اليهود والعرب، ويرفض ادعاءات مفادها ان معظم الذين بقوا على قيد الحياة في اعقاب مذبحة اليهود الرهيبة العام 1929 على أيدي العرب في الخليل يدينون بانقاذهم منها لجيرانهم العرب وليس لـ"تدخل الشرطة البريطانية ولان الكثير من اليهود تمكنوا من حماية انفسهم ضد المعتدين لساعات طويلة – رغم ان الجيران العرب انقذوا العديد من العائلات اليهودية".
غير ان توم سيغيف اورد في كتابه عن "الانتداب البريطاني" أسماء 435 شخصا، ظهرت على قائمة "الارشيف الصهيوني"، ليهود انقذهم العرب. واذا كانت ادلة جديدة قد ظهرت منذ ذلك الحين، او منذ تأكيد موريس في كتابه "الضحايا الصالحون"، ان "مئات اليهود انقذهم الجيران العرب"، فانه لا يقول ذلك.
وبعيدا عن اقتراحه الغريب فكرة سيطرة الاردن على الضفة الغربية وغزة، فان موريس لا يعبر عن آمال ذات شأن في التوصل الى حل، ويلوم الفلسطينيين بسبب الفشل في عدم تحقيق السلام. اما شليم فيظل مقتنعا بان يتوصل الطرفان الى حل الدولتين "يستنفدان كل البدائل الاخرى". وفيما لا يوجه اي انتقاد اطلاقا للفلسطينيين، فانه يوجه اللوم "للغلطة الكارثية" التي نشأت عن احتلال دام 42 عاما، ويوجه نداء للولايات المتحدة "لانقاذ اسرائيل من نفسها".
وقد يبدو من الاجحاف ان ننقل ما ذكره شليم من ان موريس كانت لديه "شجاعة قناعاته" الا ان ما لديه الان ليس الا "شجاعة تحيزاته". ولكن ليس هذا الجانب الوحيد الذي ترجح فيه كفة الجدل لصالح شليم.
Lien de l'article: http://www.alquds.com/node/212237
0 commentaires:
Enregistrer un commentaire